«بلاد الرشوة أوطاني» يقلم : الكاتب - سهيل كيوان

تعتبر الرشوة أحد أعمدة الاقتصاد في المجتمعات البشرية، خصوصا المتخلفة، وبغيابها قد تنهار أنظمة وتمّحي من الوجود، وقد يسبب اختفاء الرشوات أو محاولة حجبها عن «مُستحقيها»، أو محاسبة كل من يتلقاها، إلى قلاقل داخلية، خصوصا في الدول الضعيفة. 
تصوروا منع الرشوات عن عشرات ملايين الموظفين في الوطن العربي وأفريقيا وباكستان وأفغانستان، والكثير من دول العالم الثالث. فما الذي سيحصل. أول ضربة ستكون ارتفاع معدلات البطالة، المرتفعة أصلا بشكل كارثي، ثم أن هؤلاء الموظفين أنفسهم قد يثورون على أوضاعهم، لأن ما يسكتهم ويكبح جماحهم هو الرشوات الصغيرة التي تغطي شيئا من العجز في إدارة الاقتصاد المنزلي.
الرشوة قد تؤدي بالموظف في موقع متقدم إلى بناء بيت، وعملية البناء توفر فرص عمل كثيرة للبنّاء والبلاط والقصّار والدهان والنجار والسمكري والجنائني والحداد، ولولا الرشوة، لما عمل كل هؤلاء، ستحدث بطالة مرعبة، ويجد الملايين أنفسهم بلا مأوى وتخرب البلاد، ولهذا فالعجب كل العجب ممن ثاروا ويثورون ضد ما يسمونه الفساد، خصوصا في وطننا العربي الغالي الذي يعتبر الفساد قطعة من روحه وأنفاسه. تأثير الرشوة غير مقتصر على البيت وملحقاته، فالموظف المرتشي المتوسط سيخرج إلى المطعم هو وعائلته، ويطلب بلا تردد الوجبات التي يشتهيها، هكذا فهو يوفر فرص عمل للطهاة ولبائعي الفحم ومربيي الحلال والدواجن والخضار وتجار المشروبات وعمال النظافة والنادلين ولمصنع الورق والمستوردين لكل احتياجات المطاعم من المسواك إلى الثلاجة، وسيدفع إكرامية بسخاء. وإذا اقتنى سيارة فهذه حلقة تتسع لعمال الصيانة والميكانيكيات والترخيص الذي يجلب معه رشوات أخرى وأخرى تنعش الاقتصاد أكثر وأكثر.
سيتمكن المرتشي من اقتناء غيارات كثيرة من الملابس الداخلية والخارجية له ولأبناء أسرته والألعاب والكماليات، وكل هذا سوق عمل واستيراد ووصول بواخر عبر قناة السويس ودخل إضافي لمصر قلب العروبة، وحينئذ ممكن أن نصبّح على فلسطين بثلاثة شواكل أسوة بالأخوة المصريين الذين يصبحون على مصر بخمسة جنيهات، ونترك لأخينا السوري الخيار بأن يصبّح أو لا يصبّح على النظام بخمسين ليرة. 
وهكذا كلما كانت الرشوة أكثر في البلد، كانت دائرة العمل أكثر استقرارا وفعالية، حتى أنه في كثير من الدول في وطننا الغالي لا يمكن أن تقضي حاجتك بدون الرشوة التي يسميها البعض (هدية) جهلا منه، أو إكرامية أو حلوان، أو سُكرة، أو ملبسة، أو فنجان قهوة. لحسة إصبع، بلة ريق، عربون صداقة، أو تحية شكر وعرفان، وليس رشوة، لا سمح الله، ولهذا من المستغرب عدم وجود وزارة ووزير للرشوة، خصوصا في بلدان الوطن العربي، التي باتت من الدول المصدّرة للرشوات والفساد بأشكاله الكثيرة، فالرشوات تشغّل نصف دورة الاقتصاد، إن لم يكن أكثر، وزارة للرشوة تعني إدارة الفساد بشكل ناجع بدلا من الحرث في أوهام محاربته. إن محاولة محاربة الفساد مثلها كمثل محاولة انتزاع المرض الخبيث بالقوة من جسد المريض، الأمر الذي يؤدي إلى نزيف حاد ثم إلى الوفاة.
يجب تنظيم عمليات الرشوة، وفصل أو معاقبة الموظفين الذين يرفضونها بحجة شرف المهنة أو الكرامة الشخصية وإلخ من الخزعبلات، لأن في هذا نفاقا ومزايدة على الموظفين الذين يأخذونها، ثم إن السؤال والشكوك والتحقيقات يجب أن تحوم بالذات حول من لا يتقبل الرشوة. كيف دبّرت أمورك بدونها. كيف تعيش من راتبك التعيس. من أين لك هذه القناعة وما هو سبب ابتسامتك، كيف وكيف وكيف؟ 
 


 
في بلاد الرشوة أوطاني، إذا أردت محاربة موظف فما عليك سوى أن تبث دعاية بأنه شريف ويده نظيفة ولا يتلقى الرشوة، وأنه قد يشتكيك للسلطة إذا حاولت رشوته. حينئذ سيعيش من راتبه المحدود وتخرّب بيته. أحد الموظفين من الأشقاء في الضفة الغربية كتب لي في رسالة رثاء ذاتي على الفيبسوك «لا أعرف من هو ابن الحرام الذي يبث دعاية بأنني لا أتلقى رشوة. لقد خرّبوا بيتي بهذه الدعاية». 
تحكي قصة عن أحد ولاة الشام في زمن الدولة العثمانية، أن وجهاء من المدن السورية تشاوروا لتقديم شكوى ضده إلى الباب العالي في استنبول، وعلم الوالي بما هم ذاهبون إليه، قبل سفرهم بليلة واحدة دعاهم الوالي إلى قصره وسألهم عن سبب نيتهم السفر إلى استنبول. فقالوا إنهم ينوون شمة الهواء، فقال لهم «أعرف أنكم ذاهبون لتقديم شكوى إلى الباب العالي ضدي، وهو سوف يقتنع بكلامكم ويعزلني، ولكن ماذا ستستفيدون. أنا وضعت هدفا لي أن أملأ هذه الجرّة ذهبا خلال ولايتي (وأطلعهم على الجرة)، وقد أشرفت الجرة على الامتلاء، فلا تحضروا الآن غيري للولاية مع جرة فارغة ليبدأ بملئها من جديد. فاقتنعوا بكلامه وعدلوا عن السفر إلى استنبول على أمل أن تمتلئ جرته سريعا ويكف شره وشرهه عنهم. 
مشكلة شعوبنا ليست مع رشوات صغار الموظفين الغلابى الذين يذوقون الأمرين لإعالة أسرهم، والذين يتعرضون للنقد في الكتابات والمسلسلات والسينما، المشكلة ليست في علاج أعراض المرض، بل في المرض نفسه، وحسب مؤشر الفساد العالمي فإن الزعماء والرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء وأعضاء البرلمانات وكبار المسؤولين وذوي العلاقات مع المسؤولين، هم الأكثر فسادا وهم الداء والبلاء، ولكن المشكلة أن في الدول التي تحترم نفسها هناك من يحاسب ويعتقل ويحبس كبار المسؤولين إذا فسدوا، بينما في «بلاد الرشوة أوطاني» لا يتشاطرون إلا على صغار الموظفين، أما انتخابات البرلمان الأسدي التي تجري اليوم الإربعاء فهي بلا شك سوف تسفر عن طاقم جديد من الفاسدين السابقين واللاحقين، وحسبهم فسادا قبولهم دخول انتخابات بأمر رئيس مزّق البلاد وشتت العباد ونشر فيها الخراب والفساد.
سهيل كيوان

تعليقات

الاسم:
البلد :
التعليق :
جميع الحقوق محفوظة لموقع مجدنا | 2011 - 2015
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط )