برنامج «أرب أيدول» والهروب الجماعي من القهر إلى الأمل بقلم : د. عبد الحميد صيام

«بحلف لو كانت السياسة مثل غناك ما كان في مشاكل». تعليق بسيط أطلقته المغنية الإماراتية أحلام في برنامج «أرب أيدول» يلخص ببساطة قضية مهمة مفادها أن السياسة هي السبب في مشاكل العالم العربي، بينما لو ترك الأمر للفن لصفى القلوب وأشاد الجسور وقرب الشعوب من بعضها بعضا. فالعرب أمة واحدة فرقتها السياسة الظالمة، سواء فرضت من الخارج أو نبعت من الداخل، يوحدها الفن والتاريخ والحضارة واللغة والهم والألم والأمل. 
لقد لعب الفن بأشكاله المتعددة في العصور الحديثة دورا كبيرا في تقريب العرب من بعضهم، قلوبا وعقولا، مشاعر وهموما، فرحا وحزنا. كانت عندما تغني سيدة الغناء العربي أم كلثوم كل يوم خميس من أول كل شهر من شهور الصيف، يستمع العالم العربي لها من محيطه إلى خليجه. وكذلك فعلت فيروز التي جعلت من بلدان العالم العربي باقة من الزنبق تتغنى بها وأبت بكل شموخ أن تغني للأشخاص مهما سمت مراتبهم. وفعل الشيء نفسه الشعراء مثل نزار قباني ومحمود درويش، والممثلون والممثلات مثل فاتن حمامة وفريد شوقي وشكري سرحان، والمطربون الكبار أمثال محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ووديع الصافي وناظم الغزالي وصباح فخري ومحمد عبدو. وكذلك فعل رسامو الكاريكاتير مثل ناجي العلي وصلاح جاهين وعلي الفرزلي وكتاب الرواية والمسرحيات وأخيرا دخل المذيعون والمذيعات ومقدمو البرامج التلفزيونية على الخط، وأصبحت بعض البرامج الحوارية والثقافية والترفيهية تحظى بشعبية كبيرة يشاهدها ملايين العرب.

الراحة الأسبوعية في أحضان «أرب أيدول»
الغناء جزء أصيل من النفسية العربية، بسبب تعلقنا كأمة باللغة العربية أساسا وبالكلمة الجميلة الساحرة وباللحن الأصيل، الذي دعا كاتبا مثل أبي الفرج الأصفهاني لأن يدون أغاني العرب في كتابه الشهير «الأغاني» في 24 مجلدا، حيث استغرق تأليفه 50 عاما. فكيف لعربي أصيل ألا يطرب لفيروز في روائعها عن زهرة المدائن وشوارعها العتيقة، ويسأل مع جوليا بطرس أين ملايين العرب ويذرف الدمع على بكائيات سعدون جابر ويهدي والدته في عيد الأم رائعة فايزة أحمد «ست الحبايب». لهذه الأسباب وعشرات غيرها يهرب العرب زرافات ووحدانا يومي الجمعة والسبت ليستمتعوا ببرنامج «أرب أيدول» الذي يذاع على شاشة «إم بي سي» من بيروت وتصبح كل حلقة من الحلقات حديث الناس في البيوت والمقاهي ومواقع التواصل الإجتماعي وبرامج الصباح على الراديو والتلفزيون، ويختصم الناس فيمن سيفوز باللقب، ومن صاحبة أو صاحب أجمل صوت. لكن الفائز الحقيقي هو الشعور القومي، والتواصل العربي وتوحد المشاعر العربية حول موضوع ما حتى لو كان الغناء. 
تعبنا من الأخبار- تعبنا من الاقتتال العربي العربي، تعبنا من التجاذبات الطائفية، تعبنا من أخبار الميليشيات والجماعات الإرهابية والبراميل المتفجرة وأخبار الانتحاريين والتكفيريين، تعبنا من أخبار قادة لا يحلون عنا إلا بموت طبيعي أو بموت مدبر. تعبنا من تدمير تراث الأمة ومعالمها التاريخية باسم الإسلام. تعبنا من أخبار التدخلات الأجنبية وغطرسة الكيان وتهميش نصف المجتمعات. تعبنا من هدر الأموال العربية أو تبديدها في شراء الأسلحة. تعبنا من أخبار الفساد والفاسدين الذي يسرقون قوت شعوبهم ويكنزونها في بنوك الغرب. تعبنا من تسريبات ويكيليكس وتسريبات الجزيرة. حقيقة تعبنا ونريد أن نأخد استراحة قصيرة. فهل مسموح لي كعربي بسيط أن أتابع برنامجا ترفيهيا يقربني من إخوتي العرب، ويشعرني بأن أمير هو أخي الصغير ومحمد بن صالح هو جاري وهمام هو صديقي ودالية هي بنتي ويعقوب معلم حفيدتي، ومهند هو تلميذي في الجامعة وروان هي صديقة بنتي. وهل هناك برهان أكبرعلى تقارب الشعوب العربية خُلقا وخـِلقة أكثر من هذه الباقة من النجوم الصاعدة؟

فلسطين فوق الخلافات – تحية للجنة التحكيم
هكذا يجب أن يتعامل العرب مع فلسطين. فلسطين يجب أن تكون فوق الخلافات وفوق الشبهات وفوق الإقليميات وفوق الأيديولوجيات وفوق الأحزاب. فلسطين يجب أن تبقى القاسم العربي المشترك الذي يلتف عليه أبناء العروبة الصادقين الطيبين المتحررين من العنصرية بكافة أشكالها. يجب أن تظل الخيمة التي يلتقي فيها العرب جميعا حتى لو اختلفوا على كل الأشياء الأخرى. لقد مثل حكام «أرب أيدول» هذه العينة الجميلة من المواطنين العرب الذين يحترمون فلسطين وأبناءها ومواهبها وشعبها المناضل. فمنذ البداية ظلت فلسطين حاضرة على مدى البرنامج. كانت تمثلها عشرة أصوات موهوبة واستقر الأمر على اثنين في الحلقة النهائية أمير ويعقوب. فلسطين كانت حاضرة في تحيات أحلام للشعب الفلسطيني العزيز وقناعة نانسي بأن فلسطين ستبقى تنضح بالزهور والمبدعين، وموجودة في تحيات وائل للأصوات الجملية التي مثلت شعبها المناضل وتعليقات حسن الموزونة لفلسطين وممثليها على مسرح أرب أيدول. فلسطين كانت حاضرة في الموسم الثاني الذي فاز به محمد عساف، والموسم الثالث ممثلة بصوتي منال موسى وهيثم خلايلي. وها هي حاضرة بقوة في الموسم الرابع وتستعد للفوز باللقب مرة ثانية. وفي رأيي أن فوز فلسطين يسعد ملايين العرب أكثر من أي فوز آخر. فوز الفلسطيني هو فوز لقضية شعب مظلوم محاصر مشرد. فوز يقدم صورة حضارية أخرى لشعب مبدع ينجب العلماء والشعراء والكتاب والمغنين والممثلين والإعلاميين. الفوز يرد على كل من يحاول أن يشيطن هذا الشعب سواء كان موجودا وراء البحار أو في الساحات الداخلية. 
لقد فازت فلسطين حتى لو لم تفز باللقب النهائي. لقد فازت بحب الملايين من العرب لأمير ويعقوب ونادين وروان. وفازت فلسطين عندما جلس ملايين العرب حول تلفازاتهم يستمعون لأمير ويعقوب يصدحان بالأغاني الشعبية الفلسطينية، وبإدخال كلمة فلسطين في الموال والأغنية، حتى لو لم تكن موجودة في الأصل. فازت فلسطين والحكام الأربعة الواحد تلو الآخروهم يثنون على المواهب الفلسطينية ويوجهون التحية للشعب المناضل أينما كان، بل إن سعادتي تضاعفت عندما رأيت نادين قادمة من الناصرة وأمير دندن قادما من مجد الكروم ليقفا إلى جانب ابن بيت لحم وروان عليان ابنة غزة. هذه هي وحدة الشعب الفلسطيني الحقيقية وليس من يجلسون على الكراسي إلى الأبد في غزة ورام الله. لذلك يعتبر الفلسطينيون أن هذا اللقب، إن حازوا عليه، لا يمثل انتصارا لشخص فحسب، بل لشعب عريق تم الاعتداء على وطنه وتمزيقه ورميه في الشتات. هذا التمزق الجغرافي حاولت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية أن تستثمره بكل وقاحة وكتبت في صفحاتها: عربي إسرائيلي ينافس فلسطيني من الضفة فرد أمير ويعقوب على هذا الإدعاء التافه بأننا «فلسطينيون حتى العظم، وأن علم فلسطين فقط سيرتفع، سواء فاز يعقوب أو أمير». وأود أن أؤكد أن من يمنع صوته عن أمير لأسباب جغرافية إنما يوجه طعنة للشعب الفلسطيني الواحد، ومن يمنع صوته عن يعقوب لأسباب دينية إنما يوجه طعنة للشعب الفلسطيني كذلك. وكل ما نتمناه أن يمنح أبناء الوطن العربي أصواتهم لمن يستحق بالفوز عن جدارة لأسباب تتعلق بالقدرات والإمكانيات والمواهب الفنية فحسب.
مساحة صغيرة للحلم العربي
كدنا نيأس من وجود فضاء ولو صغير يجمع العرب جميعا أو يجتمعون حوله فوجدناه في برنامج تلفزيوني. فقد أكدت الإحصائيات أن عدد مشاهدي البرنامج يصل إلى عشرات الملايين. وفي الحلقة التي فاز فيها محمد عساف ذكرت تقارير حينها أن عدد من شاهدوها تجاوز الثمانين مليونا. إذن هي مساحة للقاء العرب جميعا بمكوناتهم العرقية والدينية والثقافية في أجواء من المحبة والتنافس الشريف الحضاري البعيد عن العنف والتخوين والتهميش والاستعلاء والتصنيف. إنها مساحة جمعت أيضا المكونين الكردي والأمازيغي للوطن العربي، فما زادوا الحلقات إلا ثراء وجمالا ومحبة. لقد وجدنا في برنامج «أرب أيدول» رقعة جغرافية عربية بدون حدود وبدون تأشيرات وبدون عنف وبدون كراهية وبدون تمييز. إنها مساحة للحلم لأمثالنا الذين تربوا على حلم الوطن العربي الكبير من «الشام لبغدان ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوان». فدعونا نحلم بذلك اليوم الذي لا بد أن يأتي عندما يسمح للشعوب العربية أن تقرر مصيرها بنفسها.
 


د. عبد الحميد صيام : محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي

تعليقات

الاسم:
البلد :
التعليق :
جميع الحقوق محفوظة لموقع مجدنا | 2011 - 2015
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط )