2020-03-20 23:43:00

نسب أديب حسين صيدلانية في زمن الكورونا ما بين التوتر من انتقال العدوى وضغط عمل لا ينتهي

الكاتبة والاديبة نسيب اديب حسين من بلدة الرامة ليست فقط كاتبة وأديبه .. بل هيك أيضاً صيدلانية حاملة لقب أول في هذا المجال . ونسب تعمل كصيدلانية في صيدلية في مدينة القدس الغربية . ومنذ انتشار وباء فايروس الكورونا وانتقال الوباء بين الدول كان مسالة وقت حتى يصل الى بلادنا وعن ذلك حدثتنا الصيدلانية والكاتبة والاديبة نسب أديب حسين قائلة : 
 


"منذ بدأ ظهور الفيروس في الصين في مطلع هذا العام، بدا واضحا أنّها مسألة وقت ليصل إلى هنا، فمع التطور الذي نشهده في هذا العصر، انتقال الأمراض بين الدول مهما فصلتها المسافات، سريع جدًا قياسًا بالماضي. لكن بالمقابل بدا على جمهور المراجعين الذين يصلون إلى الصيدلة التي أعمل فيها في القدس الغربية، أنّهم ينظرون إلى الأمر بسخرية وعدم قناعة، وكلّما وضعت الكمامة في حالة سعالهم أو الانتباه إلى معاناتهم من الزكام، أقابل بالتبرير، أنّهم ليسوا مرضى بالكورونا، أو يتسألون ساخرين إن عدت من الصين، ولم يكونوا وحدهم على هذا الحال من عدم التعامل الجدي مع المرض والعدوى، بل قسم كبير من الكادر الطبي الذي يعمل في ذات المركز.
وأضافت نسب حسين: للأسف من عادات معظم المرضى عدم التحلي بالمسؤولية تجاه الطواقم الطبية، فيكون السعال مثلا مباشرًا اتجاهنا، دون محاولة للابتعاد ووقايتنا. ولذا ومنذ نحو عامين أدرج على وضع الكمامة أطول وقت ممكن خلال وردية العمل، لوقاية نفسي، بعد أن انتبهت إلى أنّ معظم الانتكاسات الصحية التي أصاب بها بسبب العدوى من المرضى، الأمر الذي توقف عندما صرتُ أتبع وسائل الوقاية. هذا الإهمال من قبل المراجعين جعلنا نزداد توترًا أنا وزملائي في العمل منذ مطلع الأسبوع الماضي، ونحن نشهد الحال المحزن الذي وصلت إليه إيطاليا، وارتفاع نسبة انتقال العدوى بين الطواقم الطبية هناك، مدركين أنّ انتقال العدوى إلينا لن تكون إلا مجرد وقت. وبدأ كل منا يحاول الحصول على الكمامات ذات الجودة الأفضل على حسابه الخاص، مرافقا بالشعور أنّ أحدًا غير مهتم لأمرنا، الأمر الذي زاد من استيائنا، وفهمتُ من نشرة أخبار أنّ ذات الأمر واجهته الطواقم الطبية من ممرضات وأطباء، في المستشفيات التي تُقدم العلاج لمرضى الكورونا.
وأضافت نسب حسين قائلة : شخصيًا توتري ازداد وأنا أتابع مُصاب إيطاليا التي أحب، والتي أعتبر مدنها من أجمل المدن الأوروبية التي زرت، يُضاف عليه تأخر اكتشاف انتقال العدوى، وعدم وجود مواد لحمايتنا كطاقم طبي. هذا الأمر ينعكس في العمل بالعصبية الزائدة خصوصًا مع كثرة الإرهاق، والصيدلاني منّا يعمل ضعفي عمله في الأيام العادية أو ثلاثة أضعاف، خصوصًا مع إلزام جزء من صيادلة مراكزنا الطبية في الحجر المنزلي. هكذا منذ أسبوعين والمرضى يتدفقون على الصيدلية، كأنّ نهاية العالم على الأبواب، ليقدّم الواحد منّا الخدمات الطبية لنحو 80 -100 شخص في الوردية، ويستمع ل 5-10 طلب أو سؤال من قبل كلّ مريض. يُضاف إلى هذا الإنهاك والجهد، ظروف أخرى مثل البرد القارس في هذا الأسبوع، ومجهود العمل مع الكمامة طيلة الوقت وصعوبة التنفس، ومن ثم التعامل مع توتر المراجعين والحاجة للحفاظ على شروط الوقاية، بعدم تواجد أكثر من عشرة أشخاص داخل الصيدلية.
وأضافت نسب: في وسط هذا الأسبوع وصلتنا رزمة من مواد الوقاية، التي أدخلت بعض الهدوء إلى قلبي بأنّ المسؤولين عنّا، اهتموا أخيرًا بسلامتنا. وأمام الخجل بالواقع الجديد الذي لم نعتده بارتداء هذه الأثواب، بادرتُ لارتدائها أولا وطلبت من زميلة في العمل التقاط صورة لي، وقد بادرت إلى رفع إشارة النصر، فسألتني: "لماذا إشارة النصر؟" قلتُ: "لستُ أدري.. أنا من شعب من عادته أن يرفع في كلّ مناسبة إشارة النصر"، وعلى غير عادتها لم تدخل إلى سجال سياسي معي، بل قالت: "لعلها تكون إشارة النصر على الكورونا" فقلتُ: "أتمنى ذلك". في اليوم التالي تشجع زملائي وارتدوا جميعهم رداء الوقاية دون أيّ خجل. وتوقفنا عن ترديد مقولة: "مسألة إصابتنا بالعدوى ليست إلا مسألة وقت". لكن في مقابل الجهد الكبير الذي نبذله مع أعداد المرضى والمراجعين الهائل ولأيام متواصلة، ونحن ندرك أنّ تفشي المرض ما زال في مراحله الأولى، يجعلنا نتوقف متسائلين وماذا بعد؟ كم من الضغط يمكن أن نحتمل؟
وتابعت نسب حديثها : خلال الدوام، وجدتني أنزلق إلى الهاوية النفسية من الإرهاق والانكسار في روحي التي أحاول منذ أسبوعين تجنبها، فعملي المحكوم بالجانب الإنساني خصوصًا في حالات المرضى الذين أعرف تاريخهم الطبي، وأدرك حاجاتهم ومخاوفهم، لكن يفقدني الإنهاك والشعور بالاستنزاف القدرة في اتخاذ هذه المسائل في عين الاعتبار دومًا. فمثلا قبل ثلاثة أيام حضرت إلى الصيدلية مريضة مناعتها منخفضة لزراعتها رئة قبل عدّة أعوام، فكرتُ باستدعائها مباشرة لتقديم حاجتها دون الانتظار في الدور، لئلا تتعرض لأي خطر بعدوى محتملة، لكن كنتُ منهكة وقد حان موعد استراحتي، كما أنّ سيناريو المشاحنة مع باقي المرضى والمراجعين لتفضيلها عليهم، جعلني أتنازل عن هذا، وأمضي إلى استراحتي. عند عودتي من الاستراحة وجدتها في المركز الطبي تبكي، وبعد محاولات لفهم ما حصل، أدركتُ أنّها تأثرت من المعاملة التي تلقتها في الصيدلية، وكانت تتوقع معاملة أفضل، قضيتُ بضع دقائق وأنا أحاول تهدئتها، فقد تفهمتُ مخاوفها إذ أنّ زوجها الذي كان يعاني من حالة تشبه حالتها توفي قبل ثلاثة أشهر، وتخشى أن يكون مصيرها مثله، وأنبني ضميري في ذلك اليوم أنّني لم أستدعها قبل خروجي للاستراحة، لاختصرتُ سيناريو الوجع ذاك. يوم أمس ظهرت في الصيدلية امرأة أخرى أعرفها كانت قد مرّت في عملية زراعة، فاستدعيتها لتأتي إلي دون أن تنتظر في الدور، ليظهر في تلك اللحظة وأنا في قمّة تعبي وأحلم بالتوجه إلى الاستراحة، رجل يرفض صارخًا تقديم الأفضلية لأيّ أحد في الدور، بدأتُ بالرد عليه، لكنّه استمرّ بالصراخ، فوجدتني في تلك اللحظة غير قادرة على الكلام أو الجدال أكثر، بل أبتعد لأنفجر بالبكاء، ولأتركه لزميلاتي اللواتي ما إن رأوني على هذا الحال هبوا لطرده، واتصلوا بالشرطة التي لم تأت.
شيئًا عميقًا في داخلي راح يتفتت، وأفقدني القدرة على الكلام بعد مغادرة العمل، بل التزام الصمت طيلة اليوم بعد أثر مزيج من التوتر والجهد والمتراكم ورؤيتي لما يحصل حولي وكأنّنا نحيا فيلمًا في الصراع للبقاء. كأننا نعرض بقايا أدوية ومن يفوز بها هو من يبق على قيد الحياة، رغم أنّ الواقع ليس كذلك، والأدوية متوفرة والصيدليات مفتوحة رغم كلّ الإغلاقات. ربّما كانوا خمسة أشخاص من بين ثلاثمئة شخص من أثاروا المشاكل, لكنّهم كانوا كافيين لسحق الطاقة الباقية في داخلي، وأنا أراهم مثلا يرفضون تقديم الأولوية لعجوز في التسعين من عمرها بالجلوس والانتظار داخل الصيدلية، فيما هم ينتظرون في البرد القارص في الخارج، أو استغلال صاحب دكان قريب للأدوات المنزلية الناس، ببيعه كمامة الوقاية العادية ب 25ش للواحدة بعد أن كان سعرها الأعلى 2.2 ش. كلّ هذه المظاهر تسلبُ الكثير من جهودنا، وذاتيًا تنهك روحي، وأنا أتساءل كم من السواد سينتظرنا بعد؟
وأختتمت نسب أديب حسين حديثها : لكن ما يهدأ من روعي أنّ هذا المشهد لم يغزو مجتمعنا الفلسطيني بعد، بل تصلني صور جميلة من التعاون والتكافل في مجتمعنا في الضفة الغربية، لمواجهة هذا الوباء، من توزيع الكمامات والجل المعقم في بيت لحم والخليل مجانًا، وبقاء الأسعار ذاتها في باقي المحافظات، وتقديم الكثير من التسهيلات في دفع القروض، أو الإيجارات في المدن المختلفة في ظل الوضع الراهن، والتكافل في العمل وتأمين الحاجات، والتزام غالبية السكان بالبقاء في بيوتها. آمل أن يكون المشهد ذاته في مدن وقرى الداخل الفلسطيني، أن يزداد الوعي بأهمية الالتزام بالتعليمات، والتعاون مع الطواقم الطبية، ومحاولة حمايتهم وعدم تعريضهم للعدوى، وتفهم الضغط الكبير الذي نواجه في هذه الأيام. على أمل أن تمرّ هذه الأزمة بخير.. وتذكروا "الوقاية خير من قنطار علاج".
 


 

تعليقات

الاسم:
البلد :
التعليق :
جميع الحقوق محفوظة لموقع مجدنا | 2011 - 2015
(الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها فقط )